من طوابير الخبز إلى مقاعد الدراسة.. هل تعيد المدارس أطفال غزة إلى حياتهم؟

من طوابير الخبز إلى مقاعد الدراسة.. هل تعيد المدارس أطفال غزة إلى حياتهم؟
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:
بعد ثلاث سنوات من الحرب التي بدّلت تفاصيل الحياة اليومية لأطفال غزة، لم تعد العودة إلى المدرسة بالنسبة لذوي الطلبة مجرد موعد لبدء عام دراسي جديد، ولا مجرد حقيبة ودفاتر وجرس يعلن بداية الحصة، بل باتت حلماً باستعادة شيء من الحياة التي انقطعت، وبإعادة التعليم إلى مكانته الطبيعية في حياة الأطفال.
ومع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، تستعد نحو 80 مدرسة تابعة لـ"الأونروا" لاستئناف التعليم الوجاهي، في ظل فجوة تعليمية واسعة خلفتها سنوات الحرب، وحرمت أعدادا كبيرة من الطلبة من الانتظام في مدارسهم. "
نعمة كبيرة
"عودة الأطفال إلى التعليم الوجاهي المنتظم نعمة كبيرة وفرصة لاستعادة المسار التعليمي الذي انقطع خلال سنوات الحرب".. بهذه الكلمات عبرت المواطنة أم مالك اشتيوي عن ارتياحها لقرار "الأونروا" استئناف التعليم الوجاهي في مدارسها داخل قطاع غزة.
وتقول أم مالك خلال حديثها لـ" الاستقلال"، إن المدرسة لا تقتصر وظيفتها على تعليم القراءة والكتابة والمناهج، وإنما تسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية مهاراته التعليمية والعقلية والاجتماعية".
وأردفت: "دور الأسرة مهم في تعليم الأطفال، لكنه لا يمكن أن يعوض دور المدرسة، التي تساعدهم على التأسيس العلمي واكتساب المهارات والتفاعل مع المعلمين وزملائه، وكيفية التعامل الاجتماعي مع الاخرين".
وتضيف: " أن غياب التعليم الوجاهي خلال السنوات الماضية وضع كثيراً من الأسر أمام خيار صعب، خصوصًا العائلات التي حرصت على تعليم أبنائها رغم ارتفاع تكاليف المراكز والمدارس الخاصة".
وتشير إلى أن تحمل هذه التكاليف لم يكن أمرًا سهلا، لكنه كان بالنسبة لها أهون من أن يفقد أبناؤها حقهم في التعليم، مضيفة:" "كنت أضطر أبعتهم، ولو إنه على حساب أكلي وشربي، بس المهم إنهم يتعلموا".
وتري أن عودة التعليم المجاني ستكون تحولاً مهماً للعائلات التي لم تعد قادرة على تحمل تكاليف التعليم الخاص، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب، وبداية لإعادة التعليم إلى موقعه الطبيعي بحياتهم، بعد أن أصبح خلال الحرب أمرًا مؤجلًا عند البعض أمام متطلبات البقاء.
عودة إلى الحياة
في حين تري المواطنة ياسمين مصطفى، أن عودة التعليم الوجاهي يمكن أن تعيد للأطفال جزءًا من الحياة الطبيعية التي فقدوها خلال الحرب.
وتقول ياسمين خلال حديثها لـ"الاستقلال":" إن الأطفال خلال السنوات الماضية ابتعدوا عن روتينهم المعتاد، فبدل أن يبدأوا يومهم بالذهاب إلى المدرسة والتعلم واللقاء مع زملائهم ومعلميهم، أصبحوا يركضون وراء تعبئة المياه، والذهاب الى التكيات، والوقوف على طابور الخبز".
وتعتقد أن العودة إلى المدرسة ستمنح الطفل فرصة لاستعادة شيء من نشاطه وروتينه اليومي، وأن يشعر بأنه يقوم بشيء من أجل مستقبله، حتى لو لم تكن الظروف المحيطة به قد عادت إلى الاستقرار الكامل.
وتشير إلى أن سنوات الحرب لم تحرم الأطفال من الدروس والمناهج فقط، وإنما تركت آثاراً تعليمية ونفسية وجسدية واجتماعية، موضحة أن انقطاع التعليم المنتظم جعل التعليم، مع مرور الوقت، يتراجع في أولويات الأطفال.
وتقول عن أبنائها الأربعة:" خلال الحرب شعرت إن التعليم لم يعد من أساسيات وأولويات أبنائي، بل أصبح بالنسبة لهم شيء ثانوي، وهذه كارثة بحد ذاتها".
ورغم ترحيبها بعودة المدارس، إلا أن هناك هاجساً آخر لا يفارقها، يتمثل في سلامة الأطفال والمعلمين والمنشآت التعليمية، خاصة بعدما شهدت سنوات الحرب استهدافًا طال مدارس وأطفالًا ومعلمين ومنشآت تعليمية.
العودة إلى الصف لا تكفي
ومن جانبها، أكدت المعلمة في إحدى مدارس "الأونروا" إسلام حماد، أن عودة التعليم الوجاهي في مدارس الوكالة لا تعني استئناف الدراسة فقط، بل تشكل "عودة للحياة من جديد في غزة". وقالت حماد، خلال حديثها لـ"الاستقلال"، "أن التعليم عن بُعد الذي استمر خلال سنوات الحرب، رغم أهميته، لم يكن قادراً على تعويض غياب المدرسة وما توفره للطالب من تعليم وتفاعل اجتماعي وأنشطة ومهارات مختلفة".
وأوضحت أن "الأونروا" واصلت خلال الحرب دورها في العملية التعليمية من خلال التعلم عن بعد عبر مجموعات "واتساب"، إلى جانب تقديم دورات تدريبية للمعلمين حول إدارة التعلم عن بعد، لكن العودة الى الصفوف ستكشف حجم الفاقد الذي خلفته سنوات الحرب.
وتضع المعلمة "الفاقد التعليمي الكبير جداً" في مقدمة الفجوات التي سيواجهها الطلاب والمعلمون، مؤكدة أن سد هذه الفجوة يحتاج إلى جهد مشترك من المعلمين والطلبة والأهل.
ولا تتوقف الفجوات عند الجانب الأكاديمي، إذ تشير حماد إلى تغيرات سلوكية ظهرت لدى الأطفال خلال سنوات الحرب، إلى جانب تراجع بعض المهارات المرتبطة بالحياة المدرسية والتعامل مع المعلمين والطلبة.
وبينت أن الظروف الاقتصادية الصعبة ستشكل تحديا إضافيا أمام الأسر في توفير الحقائب والقرطاسية والمستلزمات المدرسية، في وقت تحتاج فيه العملية التعليمية إلى دعم واسع.
وتقول: إن المعلمين سيعملون في ظروف "صعبة واستثنائية جدًا"، ما يجعل مهمة استعادة العملية التعليمية أكثر تعقيداً من مجرد إعادة فتح أبواب المدارس كما انهم سيواجهون تحديات كبيرة منها تقلص الخدمات والرواتب، والاكتظاظ داخل الصفوف، ونقص مستلزمات العملية التعليمية، بما في ذلك السبورات والطباشير واللوحات والبطاقات والكتب.
وتوضح أن مدارس الأونروا كانت تعاني أصلًا من الاكتظاظ قبل الحرب، بينما تزداد المشكلة تعقيداً مع وجود أكثر من إدارة لأكثر من مدرسة في المدرسة الواحدة، وارتفاع أعداد الطلاب داخل الصفوف، إلى جانب عدم كفاية أيام الدوام لتقديم المادة التعليمية بصورة كاملة. وبذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بعودة الطلاب إلى المباني المدرسية، وإنما بقدرة هذه المباني على احتضانهم وتوفير الحد الأدنى من البيئة التي تسمح لهم بالتعلم والتعافي في آن واحد.
80 مدرسة ومئات آلاف الطلبة
ومن جانبه، يقول رئيس قطاع التعليم في اتحاد موظفي "أونروا" في غزة، أحمد موسى، إن المدارس التي عادت إلى التعليم الوجاهي تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تتناسب مع حجم الاحتياج، مشيراً إلى ضرورة إخلاء مزيد من المدارس المستخدمة لأغراض أخرى وإعادتها إلى العملية التعليمية، مع اعتماد نظام تدريجي يجمع بين التعليم الوجاهي والتعليم المدمج.
ويقول موسي خلال تصريح صحفي:" تعمل حالياً قرابة 80 مدرسة تابعة لـ"أونروا" بالتعليم الوجاهي، إلى جانب مساحات تعليمية أخرى، بينها الخيام المقامة في المواصي ومناطق مختلفة من القطاع، لكن هذه المساحات لا تزال بعيدة عن استيعاب جميع الطلبة".
ويشير إلى أن كل منطقة تعليمية تضم نحو 12 ألف طالب، فيما يمكن توسيع نطاق التعليم الوجاهي عبر إخلاء ثلاث مدارس في كل محافظة وإعادتها إلى الخدمة، مع توزيع الدوام على فترات والاستفادة من التعليم المدمج ومنصة "مودل".
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين ما هو متاح من مدارس وما يحتاجه الطلبة فعلياً، خصوصاً في ظل استمرار استخدام عدد من الأبنية المدرسية لأغراض أخرى، وتضرر جزء كبير من البنية التعليمية خلال الحرب.

التعليقات : 0

إضافة تعليق